في خضم التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة بين إسرائيل وإيران، برز في المغرب نقاش غريب ومقلق في الوقت نفسه. فقد بدا وكأن بعض المغاربة يتصرفون وكأنهم طرف مباشر في هذا الصراع، فانقسموا إلى معسكرين؛ فريق يتبنى خطاب الدفاع عن إسرائيل، وفريق آخر يندفع بحماسة للدفاع عن إيران، وكأن الأمر يتعلق بحرب تخصنا أو تمس مصالحنا الوطنية بشكل مباشر. هذا المشهد لا يعكس فقط سوء فهم لطبيعة الصراع، بل يكشف أيضًا عن انزلاق خطير في النقاش العمومي حين يتحول جزء من الرأي العام إلى امتداد لخطابات أطراف خارجية. إن هذا التموقع ليس فقط خاطئًا سياسيًا، بل هو أيضًا إساءة عميقة لمفهوم الوطنية، لأن المغاربة ليسوا أبناء إسرائيل ولا أبناء إيران، بل أبناء المغرب، وولاؤهم يجب أن يكون للوطن أولًا وأخيرًا.
إسرائيل: سجل ثقيل من جرائم الحرب
من واجب أي ضمير حي أن يقول الحقيقة دون تردد أو مواربة: ما ارتكبته إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في قطاع غزة ولبنان، يمثل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم لا يمكن تبريرها بأي خطاب سياسي أو أمني. فقد وثقت منظمات حقوقية دولية عمليات قصف واسعة النطاق استهدفت مناطق مدنية مكتظة بالسكان، وتدميرًا ممنهجًا للبنية التحتية، وفرض حصار خانق طال ملايين المدنيين. كما أن العمليات العسكرية التي عرفها لبنان خلال السنوات الماضية خلفت آلاف الضحايا من المدنيين وأعادت طرح أسئلة خطيرة حول احترام قواعد الحرب وحماية السكان. إن السياسات التي ينتهجها عدد من القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين الحاليين، بما تحمله من نزعة توسعية وخطاب متطرف، لا تشكل فقط تهديدًا للفلسطينيين أو لدول الجوار، بل باتت تمثل مصدر قلق حقيقي للسلم والأمن الدوليين. ولذلك فإن الدفاع عن هذه السياسات أو تبريرها تحت أي ذريعة لا يغير من حقيقة الجرائم المرتكبة على الأرض ولا يلغي المسؤولية القانونية والأخلاقية عنها.
إيران: سجل أسود في حقوق الإنسان والتدخلات الإقليمية
لكن في الجهة المقابلة، فإن تحويل إيران إلى بطل أو إلى نموذج للمقاومة يمثل بدوره نوعًا من التزييف الصارخ للواقع. فالنظام القائم في إيران يمتلك واحدًا من أسوأ السجلات في مجال حقوق الإنسان خلال العقود الأخيرة. فقد شهدت البلاد موجات واسعة من الإعدامات التي طالت آلاف المواطنين الإيرانيين، إلى جانب قمع الاحتجاجات الشعبية، واعتقال المعارضين السياسيين، والتضييق على حرية التعبير والتنظيم. كما تتحدث تقارير دولية متعددة عن محاكمات تفتقر إلى أبسط شروط العدالة، وعن استخدام التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون، إضافة إلى إصدار أحكام إعدام قاسية في حق شباب شاركوا في احتجاجات سلمية.
ولا يتوقف الإشكال عند الوضع الداخلي، بل يمتد إلى السياسة الخارجية الإيرانية التي تقوم في كثير من الأحيان على التدخل في شؤون دول أخرى ومحاولة بناء شبكات نفوذ موازية داخل عدد من المناطق، سواء في الشرق الأوسط أو في إفريقيا. وقد أثارت هذه السياسة قلق العديد من الدول التي ترى فيها محاولة لصناعة جيوب تابعة أو مناطق نفوذ خارج إطار السيادة الوطنية للدول. وفي السياق المغربي تحديدًا، فإن علاقات إيران المتلبسة مع جبهة البوليساريو، والتي سبق أن أثارت توترًا دبلوماسيًا مع المغرب، تشكل عنصرًا إضافيًا يفسر حساسية الموقف المغربي تجاه السياسات الإيرانية في المنطقة. ولذلك فإن تصوير هذا النظام على أنه نموذج للتحرر أو العدالة هو تجاهل متعمد لمعاناة جزء كبير من الشعب الإيراني نفسه، كما أنه يتجاهل أيضًا تداعيات سياساته الإقليمية على استقرار عدد من الدول.
الخطأ الأكبر: تحويل المغاربة إلى وكلاء صراع
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في السياسات الإسرائيلية أو الإيرانية، بل تكمن أيضًا في الطريقة التي يتعامل بها بعض المغاربة مع هذا الصراع، حين يتحول النقاش الداخلي إلى امتداد لحرب دعائية بين طرفين أجنبيين. فهناك من يبرر كل ما تقوم به إسرائيل دون أي نقد، وهناك من يقدس إيران ويتعامل معها وكأنها نموذج سياسي وأخلاقي لا يقبل المراجعة. هذا الانقسام لا يعكس تحليلًا عقلانيًا للأحداث، بل يعكس عقلية التبعية والارتهان لخطابات خارجية. ومن غير المقبول أن يتحدث أي شخص باسم “مصلحة المغرب” لتبرير الدفاع عن طرف أجنبي في صراع لا يمثلنا ولا يعكس أولوياتنا الوطنية. فالمغرب ليس ساحة حرب بالوكالة، وليس منصة لتصفية الحسابات الجيوسياسية بين قوى إقليمية أو دولية. إن الحديث باسم مصلحة الوطن لتبرير الانحياز المطلق لإسرائيل أو لإيران هو في حد ذاته إساءة للوطن واختزال غير مقبول لمعنى الوطنية.
الولاء الوحيد: المغرب
في مثل هذه اللحظات التاريخية التي تتسم بالاضطراب والتوتر، يجب أن يكون الموقف واضحًا: المغاربة ليسوا جزءًا من معسكر إسرائيل، كما أنهم ليسوا جزءًا من معسكر إيران. إن الموقع الطبيعي للمغاربة هو موقع الدفاع عن مصالح وطنهم أولًا، وعن المبادئ الإنسانية العامة ثانيًا، دون الوقوع في فخ الاصطفاف الأعمى خلف هذا الطرف أو ذاك. فمن الطبيعي أن يرفض المغاربة جرائم الحرب أينما وقعت، وأن ينتقدوا القمع والاستبداد أينما كان، لكن من غير المقبول أن يتحولوا إلى أدوات دعائية في صراعات الآخرين. فالوطنية الحقيقية تعني الدفاع عن قيم العدالة والكرامة الإنسانية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية الموقف الوطني.
حرب تكشف ضعف النظام الدولي
إن هذه الحرب وما يرافقها من تصعيد خطير تكشف أيضًا عن أزمة عميقة في النظام الدولي المعاصر. فالعالم يشهد مرة أخرى كيف يعجز المجتمع الدولي عن فرض احترام القانون الدولي وحماية المدنيين في مناطق النزاع. فالهجوم العسكري الذي استهدف إيران تم خارج إطار الشرعية الدولية ودون تفويض واضح من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو ما يشكل خرقًا واضحًا لقواعد النظام الدولي ولمبادئ القانون الدولي الإنساني. وفي المقابل، فشل المجتمع الدولي مرارًا في وقف الجرائم المرتكبة في غزة أو في توفير حماية فعالة للمدنيين. إن هذا العجز يكشف عن اختلالات بنيوية في النظام الأممي الذي تقوده الأمم المتحدة، ويؤكد الحاجة إلى إصلاحات عميقة تجعل حماية حقوق الإنسان والسلم العالمي هدفًا حقيقيًا وليس مجرد شعار.
بين التحالفات الدولية والموقف الوطني
لا يمكن قراءة هذا الصراع أيضًا دون التوقف عند دور الولايات المتحدة الأمريكية التي تواصل دعم حليفتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، أي إسرائيل، وهو دعم سياسي وعسكري معروف منذ عقود. غير أن هذا الدعم لا يمنع من القول إن بعض السياسات الأمريكية في هذا السياق تثير إشكالات حقيقية مرتبطة باحترام القانون الدولي، خصوصًا عندما يتم اللجوء إلى القوة أو دعم عمليات عسكرية خارج الأطر الشرعية الدولية. ومع ذلك، فإن المغرب يحتفظ بعلاقة تحالف تاريخية مع الولايات المتحدة، وهي علاقة تقوم على التعاون الاستراتيجي والمصالح المشتركة. وفي الوقت نفسه يحرص المغرب على أن يكون موقفه منسجمًا مع عمقه العربي والإسلامي، وهو ما يفسر مواقفه المتوازنة التي تحاول الحفاظ على علاقاته الدبلوماسية التاريخية دون التفريط في ثوابته السياسية والأخلاقية.
وفي المقابل، فإن المفارقة تكمن في أن بعض الدول التي ترفع شعارات صاخبة في العداء لإسرائيل أو في دعم إيران لا تترجم تلك الشعارات دائمًا إلى مواقف عملية داخل المؤسسات الدولية. فـالجزائر، التي ترفع في خطابها السياسي سقف الشعارات المرتبطة بما تسميه “مناهضة الهيمنة”، لم تستطع في بعض المحطات الدولية اتخاذ موقف حاسم بالتحفظ أو الرفض تجاه قرارات أممية مرتبطة بإيران، وهو ما يعكس التناقض القائم أحيانًا بين الخطاب السياسي الموجه للرأي العام وبين المواقف الفعلية داخل المنظمات الدولية.
الخلاصة
إن الصراع بين إسرائيل وإيران ليس صراع المغرب، والانقسام بين المغاربة حوله لا يعكس إلا خللًا في فهم معنى الوطنية وحدودها. فمن حقنا أن ندين جرائم الحرب وأن نطالب باحترام القانون الدولي، ومن واجبنا أيضًا أن ننتقد القمع والاستبداد أينما كان. لكن الأخطر من ذلك هو أن بعض الأصوات ذهبت إلى حد الإعلان عن الفرح بما تعتبره “انتصارات” لهذا الطرف أو ذاك، وكأن الدماء التي تسفك والدمار الذي يلحق بالمدن والبشر مجرد مشهد في مباراة سياسية أو عسكرية. إن الاحتفاء بانتصار طرف في حرب يعني عمليًا الإشادة بالقتل والدمار الذي يرافق تلك الحروب، وهو أمر يتناقض مع أبسط القيم الإنسانية.
والأكثر إيلامًا أن هذا الخطاب يصدر أحيانًا حتى من بعض من يقدمون أنفسهم كمدافعين عن حقوق الإنسان، في وقت يغيب فيه صوت قوي يطالب بالسلام ووقف الحروب والانقسامات. فالقيم الحقوقية الحقيقية لا يمكن أن تنسجم مع التطبيل للحروب أو تبرير الدمار، بل تقوم أساسًا على الدفاع عن الحياة وكرامة الإنسان أينما كان. ولهذا فإن المغاربة ليسوا أبناء إسرائيل، وليسوا أبناء إيران؛ إنهم أبناء المغرب، وولاؤهم الأول يجب أن يكون لوطنهم ولمبادئ العدالة والكرامة الإنسانية، وفي مقدمتها الدفاع عن السلام ورفض الحروب التي لا يدفع ثمنها سوى الشعوب .
بقلم: ادريس السدراوي
رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان





