خلية “زيرو تفاهة” في المغرب: مبادرة لمواجهة التفاهة الرقمية وتعزيز القيم المجتمعية

في السنوات الأخيرة، ومع الانتشار الهائل لمواقع التواصل الاجتماعي في المغرب والعالم، أصبح الفضاء الرقمي جزءًا لا يمكن تجاهله من حياة الشباب والأسر، لكن هذا الانتشار لم يأتِ بدون تحديات، إذ طرحت ظاهرة المحتوى التافه والمسيء أسئلة حول تأثيره على القيم الأخلاقية والاجتماعية، خاصة على الفئات الحساسة مثل الأطفال والمراهقين. في هذا السياق نشأت مبادرة خلية “زيرو تفاهة” التي تهدف إلى محاربة هذا النوع من المحتوى والحد من تأثيره السلبي، وتشكل هذه الخلية نموذجًا للمبادرات المدنية والقانونية التي تسعى لضمان بيئة رقمية أكثر أمانًا ومسؤولية. تشتهر الخلية بتركيزها على متابعة المحتوى الذي يعتبره المجتمع غير مناسب، وتنبيه السلطات القضائية عند الضرورة، ومن ثم العمل مع مؤسسات القضاء لضمان احترام القوانين وحماية القيم العامة، وقد أثارت هذه المبادرة جدلًا واسعًا في المغرب بين مؤيد يرى فيها أداة لحماية المجتمع، ورافض يعتبرها قيدًا على حرية التعبير، لكن ما لا يمكن إنكاره هو الدور الكبير الذي لعبته الخلية في إطلاق عدد من المتابعات والمسارات القانونية التي جذبت اهتمام الرأي العام لما ترتبط به من قضايا اجتماعية مهمة. في هذا السياق يدخل دور القانون والمهنة القانونية في إطار احترام الإجراءات وحماية المجتمع، ويبرز اسم الأستاذ بوشعيب الصوفي كأحد الشخصيات القانونية الأساسية في خلية “زيرو تفاهة”، إذ شارك بشكل مباشر في متابعة القضايا المرتبطة بالمحتوى المسيء، وقدم تصريحات وتوضيحات أمام الإعلام في قضايا بارزة، مثل قضية التيكتوكر “آدم بن شقرون” في طنجة، حيث كشف أن المحكمة الابتدائية أصدرت حكمًا بإدانته بثلاث سنوات حبسا نافذا مع قرار بمنعه من إنشاء أي حسابات جديدة على منصات التواصل لمدة لا تقل عن عشر سنوات، وأوضح الصوفي أن هذا الحكم جاء بعد متابعة قضائية دقيقة أظهرت أن الأفعال المرتكبة تشكل مساسًا خطيرًا بالقيم المجتمعية وبالأخلاق العامة، وأنها تشكل تهديدًا مباشرًا لفئة القاصرين بالنظر إلى طبيعة المحتوى الذي كان يتم تداوله، كما عبر عن تقديره لجهود القضاء المغربي في حماية المجتمع وصون القيم الأخلاقية ضمن احترام القانون وضمان الحقوق والحريات. 

وتظهر تصريحات الصوفي أهمية الدور الذي يقوم به المحامون داخل الخلية، إذ لا يقتصر دورهم على تقديم الشكايات، بل يشمل متابعة سير الإجراءات القانونية والترافع أمام المحاكم والتأكد من أن كل الإجراءات تتماشى مع القانون الجنائي والالتزامات الدولية للدولة، وخاصة فيما يتعلق بحماية الأطفال والمحتوى الرقمي الذي قد يسيء لهم. وفي هذا الإطار يعمل الأستاذ أحمد اشتاتو، المحامي بهيئة الرباط، جنبًا إلى جنب مع الصوفي، مما يعكس قوة التنسيق القانوني داخل المبادرة، إذ يعمل اشتاتو على تقديم الدعم القانوني الكامل للضحايا أو الجهات المدنية التي تمثل المجتمع في هذه الملفات، ويساهم في صياغة الشكايات القانونية وتمثيلها أمام القضاء، وهو دور يتطلب معرفة عميقة بالقانون المغربي وتنظيماته المرتبطة بالإعلام الرقمي والنشر على الإنترنت. ويظهر هذا التنسيق بين الأستاذ الصوفي والأستاذ اشتاتو قوة المهنة القانونية عندما تتحد جهود المحامين في خدمة المجتمع، وتؤكد مهنيتهم العالية والتزامهم بأخلاقيات العمل القانوني، فقد ساهما مجتمعيًا وقانونيًا في تقديم شكايات متعددة لدى وكيل الملك والوكيل العام في مدن مثل مراكش ضد منتجي محتوى التفاهة، مع الحرص على احترام سرية التحقيقات وعدم الإعلان عن الأسماء قبل انتهاء الإجراءات، ما يعكس حسًا عاليًا بالمسؤولية المهنية والالتزام بحماية النظام القضائي. 

ومع أهمية الدور القانوني الذي يضطلع به المحاميان، فإن خلية “زيرو تفاهة” ليست مجرد مجموعة محامين، بل هي مبادرة تضم أيضًا شخصيات من خلفيات متنوعة تعمل بتعاون وتكامل، مثل الخبير الأمني الدركي السابق طاهر سعدون الذي يضيف بعدًا أمنيًا في فهم طبيعة الظواهر المرتبطة بالمحتوى الرقمي، ويظهر ذلك في تصريحاته التي تناول فيها مسألة التفاهة وكيف أن تأثيرها لا يقتصر على مجرد السطحية، بل قد يتصل بأنماط من السلوكيات التي تستهدف الشباب وتؤثر فيهم بشكل مباشر وتساهم في تشويه القيم الأخلاقية والاجتماعية. 

إضافة إلى ذلك، يبرز في إطار المبادرة حضور الفاعل الجمعوي عبد المجيد ابن حساين، الذي يعمل على تعزيز الجانب المدني داخل الخلية، من خلال دعم المبادرات التوعوية وتشجيع الحوار المجتمعي حول كيفية التعامل مع المحتوى الرقمي بشكل مسؤول، ونشر ثقافة المسؤولية الرقمية بين الفئات المختلفة، وهو دور مهم لأنه يكمل الدور القانوني بتعزيز الوعي الاجتماعي وتثقيف الناس حول مخاطر التفاهة الرقمية وعلى ضرورة دعم المحتوى الهادف والبناء.

وقد أثارت خلية “زيرو تفاهة” نقاشات واسعة في وسائل الإعلام المغربية، خاصة مع ما رافق حملة المتابعات القضائية من ردود فعل مختلفة، فبينما رأى البعض أن هذه الخطوة تشكل خطوة أساسية لتنقية الفضاء الرقمي من المحتويات الخطيرة، لا سيما تلك التي تستهدف القاصرين وتخالف القيم المجتمعية، فإن آخرين أعربوا عن مخاوفهم من إمكانية أن تُستغل هذه المتابعات لتقييد حرية التعبير، أو أن تتوسع لتشمل أشخاصًا لا يرتبط عملهم الرقمي بأذى حقيقي للمجتمع، وهو نقاش يعكس الحاجة إلى توازن دقيق بين حماية المجتمع واحترام الحريات الأساسية وفقًا للمعايير القانونية والدستورية. 

ويؤكد هذا الجدل أهمية الدور الذي ينهض به القانون داخل المجتمع المغربي في تنظيم الفضاء الرقمي، خاصة في ظل القوانين الحالية التي تسمح بمعاقبة الأفعال التي تُعد مساسًا بالنظام العام أو بالقيم الأخلاقية، وذلك في ظل احترام الحرية والمسؤولية، وهو ما يعكس موقف القضاء الذي يؤكد ضرورة تطبيق القانون بشكل عادل، ويضع حدودًا واضحة بين المحتوى الذي يمكن الترويج له والمحتوى الذي يشكل خطرًا على المجتمع، بما يضمن احترام حقوق الأفراد وفي نفس الوقت حماية القيم الأخلاقية والاجتماعية. 

وفي النهاية، يمكن القول إن خلية “زيرو تفاهة” تمثل نموذجًا للعمل التكاملي بين القانون والمجتمع، وقد أثبتت أن التعاون بين المحامين مثل الأستاذ بوشعيب الصوفي والأستاذ أحمد اشتاتو والفاعلين الأمنيين والاجتماعيين يمكن أن يؤتي ثماره في مواجهة التحديات الرقمية المعاصرة، وأن حماية القيم الأخلاقية والاجتماعية في الفضاء الرقمي لا تتحقق بتجاهل حرية التعبير، بل من خلال احترام القانون وتطبيقه بحزم وموضوعية، وهو ما يجعل هذه المبادرة مثالًا يُحتذى به لكل من يسعى لبناء مجتمع رقمي آمن ومسؤول .

بقلم : مولاي الشريف أيوب

شارك الخبر:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top