لا تُكتب كل السير في كتب التاريخ، لكن بعض الرجال يعيشون حياتهم وكأنها فصل من كتاب لم يُغلق بعد. عبد المالك الرحوية واحد من هؤلاء الذين لم ينتظروا الاعتراف، بل صنعوا مكانهم في العالم بالإرادة والعمل والإيمان بأن الإنسان يستطيع أن يعيد كتابة مصيره مهما كانت نقطة البداية.
ولد عبد المالك الرحوية في بيت متواضع؛ أب موظف بسيط وأم ربة بيت، حيث لم تكن الإمكانيات كبيرة، لكن القيم كانت عظيمة. كان حلمه آنذاك بسيطًا: عمل قار، بيت صغير، وأسرة تعيش في هدوء. حلم يشبه ملايين الأحلام العادية، قبل أن يكتشف أن داخله روحًا لا تقبل الحياة العادية.
في سن السادسة عشرة بدأ أول احتكاك حقيقي بالحياة العملية. دخل عالم التجارة مبكرًا، تعلم من الشارع والسوق، واكتشف أن النجاح لا يُمنح بل يُنتزع. كان يعمل بينما الآخرون ينتظرون الفرص، يبني تجربته خطوة بعد خطوة، إلى أن قرر الهجرة نحو أوروبا، حيث تبدأ القصص الحقيقية للمغامرين.
مدريد كانت البداية الأولى. هناك أسس شركته الأولى في مجال الإصلاحات، ثم توسع إلى قطاع البناء. صعد تدريجيًا، وبدأ النجاح يتشكل، قبل أن تضرب الأزمة الاقتصادية الإسبانية بقوة وتسقط مشاريع وشركات كثيرة، وكان مشروعه من بينها. كانت لحظة الإفلاس سقوطًا قاسيًا، لكنها لم تكن نهاية القصة.
الرجال الاستثنائيون لا يقاسون بعدد مرات سقوطهم، بل بعدد مرات نهوضهم.
اختار عبد المالك الرحوية أن يبدأ من جديد في بروكسل. عاد إلى الصفر، لكن هذه المرة بخبرة المحارب. عمل بصمت، أعاد بناء نفسه ومشاريعه، حتى تحولت شركته الصغيرة التي بدأت بثلاثة عمال إلى مؤسسة تضم أكثر من ثلاثمائة موظف. تحول اسمه إلى علامة ثقة داخل قطاعات النظافة والبناء والخدمات والتجارة والاستثمار.
في سن مبكرة نسبيًا، دخل عالم الفندقة وأنجز مشروع فندق أربع نجوم، في خطوة أثارت دهشة الأوساط الاقتصادية الأوروبية. لم يكن نجاحًا عابرًا، بل إعلانًا عن ميلاد رجل أعمال يمتلك رؤية بعيدة المدى.
ثم جاءت المرحلة الأكثر جرأة: مشروع مركز تجميل فاخر بقيمة تجاوزت خمسة ملايين يورو في الموقع التاريخي Tour & Taxis ببروكسل. هناك مزج بين الهوية المغربية الأصيلة والفخامة الأوروبية الحديثة، فخلق فضاءً متكاملًا يجمع الجمال والاستجمام والثقافة في مشروع أصبح رمزًا للابتكار والاستثمار الذكي.
ورغم توسع الأعمال وتعدد الشركات، ظل الرحوية يعيش ببساطة الإنسان الذي لم ينسَ بدايته. قريب من عماله، حاضر بين أصدقائه وإخوانه، مؤمنًا أن القيادة الحقيقية لا تُبنى بالسلطة بل بالإنسانية. دعم الجالية المغربية، وفتح أبواب الفرص للشباب، واضعًا النجاح في خدمة المجتمع لا في خدمة الذات فقط.
الوجه الآخر في شخصيته هو القلم. عشق الصحافة منذ الصغر، فصار صحفيًا دوليًا وكاتبًا يحمل رؤية إنسانية عالمية. جمع بين الفكر والإدارة، بين الإعلام والاقتصاد، ليصبح نموذجًا نادرًا لرجل يصنع الثروة دون أن يفقد رسالته الفكرية.
عبد المالك الرحوية ليس فقط رجل أعمال أو صحفيًا ناجحًا؛ إنه قصة عصر جديد، قصة مهاجر حوّل الغربة إلى قوة، والهزيمة إلى درس، والطموح إلى واقع ملموس. رجل أثبت أن الحدود لا تمنع النجاح، وأن الإرادة أقوى من الجغرافيا.
إنها سيرة رجل لم يبحث عن المجد…
فصار المجد يبحث عنه.





