تثير مجموعة من المراسلات الإدارية المتداولة داخل المدرسة العليا للتكنولوجيا بسيدي بنور، التابعة لجامعة شعيب الدكالي، نقاشاً حول طريقة تدبير بعض الملفات الإدارية والمهنية داخل المؤسسة، بعدما وجد أحد الموظفين نفسه مطالباً بتقديم توضيحات بشأن مغادرته مقر العمل يوم الاقتراع، في الوقت الذي أكد فيه أن مغادرته كانت مرتبطة بالتوجه إلى مكتب التصويت وممارسة حقه الانتخابي.
وتكشف الوثائق التي توصلت بها جريدة الفضيحة عن مراسلة استفسار موجهة إلى موظف بالمؤسسة، يطلب منه من خلالها تقديم توضيحات بشأن مغادرته مقر العمل قبل انتهاء التوقيت الإداري، دون الحصول، حسب مضمون الاستفسار، على ترخيص مسبق.
غير أن الموظف المعني لم يكتف بتقديم جواب مقتضب، بل وجه مراسلة مفصلة إلى إدارة المؤسسة، أوضح من خلالها ملابسات مغادرته، وربطها بموعد الاقتراع، مستنداً في جوابه إلى مقتضيات دستورية وتوجيهات مرتبطة بتيسير ممارسة الموظفين لحقهم في التصويت، حسب ما ورد في الوثيقة.
من ممارسة الحق في التصويت إلى تقديم التوضيحات
الواقعة، في ظاهرها، قد تبدو مجرد إجراء إداري عادي يتمثل في طلب توضيحات من موظف بشأن مغادرة مقر العمل، غير أن خصوصية اليوم الذي وقعت فيه المغادرة جعلت الموضوع يأخذ أبعاداً أوسع.
فالاستفسار جاء في سياق يوم انتخابي، وهو ما دفع الموظف المعني إلى توضيح أن مغادرته لم تكن، حسب روايته الواردة في المراسلة، بهدف شخصي أو خارج إطار الالتزامات العامة، وإنما كانت مرتبطة بالتوجه إلى مركز الاقتراع لأداء واجبه الانتخابي.
وهنا تبرز نقطة أساسية تستحق التوضيح: ما هي الإجراءات والترتيبات التي كانت معتمدة داخل المؤسسة لفائدة الموظفين الراغبين في ممارسة حقهم في التصويت خلال يوم الاقتراع؟
وهل تم إخبار جميع الموظفين مسبقاً بهذه الإجراءات؟ وهل كانت هناك آلية واضحة للحصول على الإذن أو الترخيص بالمغادرة؟ وهل تم اعتماد نفس المعايير على جميع الموظفين دون استثناء؟
أسئلة لا تعني، بأي حال من الأحوال، إصدار حكم مسبق على أي طرف، وإنما تفرضها طبيعة الوثائق المتداولة وتعدد المراسلات المرتبطة بالموضوع.
جواب الموظف.. والكرة تنتقل إلى الإدارة
المثير في الملف أن الموظف لم يتعامل مع الاستفسار باعتباره نهاية المسطرة، بل قدم جواباً رسمياً مفصلاً، ضمنه مجموعة من المعطيات التي اعتبرها ذات صلة بالموضوع.
كما تضمنت المراسلة إحالات إلى مقتضيات دستورية وتوجيهات رسمية مرتبطة بمشاركة الموظفين في العملية الانتخابية، مع التأكيد على أن المغادرة كانت مرتبطة بالتوجه إلى مركز الاقتراع.
وبحسب الوثائق المتداولة، فقد تم إيداع المراسلة لدى المؤسسة، وتوجيه نسخ منها إلى عدد من المسؤولين، الأمر الذي يجعل الملف، من الناحية الإدارية، قابلاً للاطلاع من طرف الجهات المسؤولة عن تدبير المؤسسة.
وهنا يصبح السؤال المطروح ليس فقط: لماذا تم استفسار الموظف؟
بل أيضاً:
هل كانت الإدارة على علم مسبق بظروف المغادرة؟ وهل كانت هناك تعليمات داخلية واضحة بخصوص مغادرة الموظفين خلال يوم الاقتراع؟ وهل تم اعتماد نفس المسطرة في جميع الحالات؟
مراسلة أخرى تعود إلى سنة 2025
لكن الملف لا يقف عند هذه الواقعة فقط.
فمن بين الوثائق المتداولة أيضاً مراسلة تعود إلى سنة 2025، صادرة عن موظف آخر بالمؤسسة، وتتعلق بموضوع توضيح أسباب الامتثال/المغادرة، حيث يتحدث صاحبها عن مجموعة من الإكراهات المهنية والظروف التي دفعته، بحسب مضمون مراسلته، إلى اتخاذ موقف يتعلق بمستقبله المهني داخل المؤسسة.
وهنا ينبغي التشديد على نقطة مهمة: المراسلة القديمة لا تخص الموظف الذي وجه إليه الاستفسار الحالي، كما أن وجود الوثيقتين في الملف نفسه لا يعني تلقائياً وجود علاقة مباشرة بين الواقعتين.
غير أن ظهور مراسلة سابقة تتحدث بدورها عن إكراهات مهنية يفتح الباب أمام طرح تساؤلات حول ظروف العمل والتدبير الإداري داخل المؤسسة، وهي تساؤلات لا يمكن الجزم بشأنها إلا من خلال الاستماع إلى مختلف الأطراف والاطلاع على المعطيات الكاملة.
هل نحن أمام وقائع منفصلة؟
المعطيات المتداولة تتحدث كذلك عن حالات أخرى مرتبطة بانتقال أو مغادرة موظفين خلال الفترة الماضية، وهو ما يجعل بعض المتابعين يطرحون أسئلة حول الظروف المهنية داخل المؤسسة.
لكن مرة أخرى، فإن تعدد حالات الانتقال أو المغادرة لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود خلل إداري، فقد تكون لكل حالة أسبابها الخاصة، وقد تكون مرتبطة بعوامل مهنية أو شخصية أو إدارية مختلفة.
ومن هنا تأتي أهمية التحقق، بدل إطلاق الأحكام.
فإذا كانت هناك شكايات أو مراسلات سابقة، فالمطلوب هو معرفة مآلها.
وإذا كانت هناك حالات انتقال، فما هي أسبابها الرسمية؟
وإذا كانت هناك خلافات مهنية، هل تمت معالجتها عبر القنوات الإدارية المعمول بها؟
وإذا كان الاستفسار الحالي مجرد إجراء إداري عادي، فلماذا أثار كل هذا النقاش؟
مسؤولية الإدارة في توضيح الصورة
في مثل هذه الملفات، تبقى الإدارة أمام مسؤولية أساسية تتمثل في تقديم المعطيات الكافية لتوضيح الصورة للرأي العام الجامعي، بعيداً عن التشنج أو التأويلات.
فالاستفسار الإداري في حد ذاته لا يعني الإدانة، كما أن جواب الموظف لا يعني بالضرورة حسم المسؤولية في الاتجاه الآخر.
كل طرف له حقه في تقديم روايته، والجهة المختصة هي التي تملك صلاحية فحص الوثائق والمعطيات وتحديد ما إذا كانت الإجراءات المتخذة منسجمة مع القواعد والمساطر المعمول بها.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة، وإنما فتح باب التوضيح المؤسساتي.
أسئلة مشروعة تنتظر الأجوبة
الوثائق المتداولة تضع أمام المسؤولين مجموعة من الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة:
ما هي الإجراءات التي اعتمدتها المؤسسة يوم الاقتراع لتسهيل ممارسة الموظفين لحقهم في التصويت؟
هل تم إخبار الموظفين بهذه الإجراءات قبل موعد الاقتراع؟
هل كان الترخيص المسبق ضرورياً في جميع الحالات؟
هل تم التعامل مع جميع الموظفين وفق نفس المعايير؟
ما هو المسار الإداري الذي اتخذه الاستفسار موضوع الوثائق؟
ما مآل جواب الموظف المعني؟
وهل توجد مراسلات أخرى سابقة مرتبطة بظروف العمل أو انتقال الموظفين؟
وما هي الإجراءات التي اتخذتها الإدارة لمعالجة أي شكايات أو تظلمات مهنية، إن وجدت؟
هذه الأسئلة لا تحمل اتهاماً لأي جهة، وإنما تهدف إلى الوصول إلى صورة واضحة حول ما جرى.
الجامعة مطالبة بالتوضيح.. والوثائق تفرض نفسها
إن ما يجعل هذه القضية جديرة بالاهتمام هو أن الأمر لم يعد مجرد حديث شفهي أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يتعلق بمراسلات إدارية تحمل تواريخ وأختاماً وإحالات رسمية، وهو ما يفرض التعامل معها بجدية، مع ضرورة التأكد من سياقها الكامل ومآلاتها.
كما أن أي نقاش حول مؤسسة جامعية لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات أو تشهير بالأشخاص، بل يجب أن يظل في إطار المساءلة الإدارية واحترام حقوق جميع الأطراف.
ومن حق الموظف أن يقدم توضيحاته، ومن حق الإدارة أن تطلب التوضيحات في إطار القانون والمساطر، ومن حق الرأي العام الجامعي أن يعرف كيف يتم تدبير مثل هذه الملفات.
وبين الاستفسار والمراسلة القديمة.. أين توجد الحقيقة؟
القصة، في نهاية المطاف، ليست فقط قصة موظف غادر مقر العمل يوم الاقتراع ثم تلقى استفساراً.
وليست أيضاً مجرد مراسلة قديمة لموظف آخر حول ظروف مهنية.
القضية الحقيقية التي تفرض نفسها هي: هل توجد داخل المؤسسة مساطر واضحة وموحدة في التعامل مع الموظفين، خصوصاً في الملفات التي تمس حقوقهم وواجباتهم؟
وهل يتم التواصل الداخلي بشكل كافٍ لتفادي سوء الفهم؟
وهل تتم معالجة التظلمات المهنية داخل القنوات المؤسساتية بالشكل الذي يضمن حقوق الجميع؟
أسئلة تبقى مفتوحة، ولا يمكن حسمها إلا من خلال الوثائق الكاملة والاستماع إلى جميع الأطراف.
وفي انتظار ذلك، تضع جريدة الفضيحة هذه المعطيات أمام المسؤولين والجهات المعنية، مع التأكيد أن نشر الوثائق أو مناقشة مضمونها لا يعني تبني أي اتهام ضد أي شخص، وأن المسؤولية عن أي مخالفة، إن ثبتت، لا يمكن تحديدها إلا بناءً على بحث مؤسساتي والوثائق والمعطيات الكاملة.
ويبقى باب التوضيح مفتوحاً أمام إدارة المدرسة العليا للتكنولوجيا بسيدي بنور، وأمام الموظفين المعنيين، لتقديم أي معطيات أو ردود من شأنها إنارة الرأي العام وتوضيح حقيقة ما جرى.
ففي القضايا الإدارية، لا ينبغي أن تكون الغاية هي الإدانة أو التشهير، وإنما الوصول إلى الحقيقة، وضمان احترام المساطر، وصون حقوق الموظفين والمؤسسة على حد سواء .








