
✍️ بقلم: الميلاني رضى
08.01.2026
تعد الوقاية المدنية من الركائز الأساسية لحماية المجتمعات وضمان سلامة المواطنين وممتلكاتهم، فهي الجهاز الذي يسهر على توفير الاستجابة الفورية في مواجهة كل ما يهدد حياة الناس واستقرار المجتمع، سواء كانت هذه المخاطر طبيعية مثل الزلازل والفيضانات والعواصف الثلجية، أو بشرية مثل الحرائق والحوادث الصناعية والطرقية الكبرى. إن الوقاية المدنية لا تقتصر على التدخل عند وقوع الحوادث، بل تتجاوز ذلك لتصبح قوة استباقية تعمل على تقليل المخاطر قبل حدوثها، من خلال التخطيط المسبق، ووضع استراتيجيات السلامة، وتدريب الفرق على مواجهة جميع السيناريوهات الطارئة.
يلعب تدريب عناصر الوقاية المدنية دورا محوريا في فعالية هذا الجهاز، فالعاملون فيه يتلقون تعليمات دقيقة وتدريبات مستمرة على الإسعافات الأولية، وإنقاذ المصابين، وإطفاء الحرائق، ومواجهة الكوارث الطبيعية، إضافة إلى التعامل مع المواد الكيميائية الخطرة. هذا التدريب المكثف يجعلهم قادرين على التصرف بحكمة وسرعة في أصعب الظروف، حيث يكون كل قرار لهم مسألة حياة أو موت، ويتطلب الانضباط والدقة والشجاعة في آن واحد.
ولا يمكن الحديث عن الوقاية المدنية دون التوقف عند البعد الإنساني والوطني في عملها، إذ يتطلب من عناصرها التفرغ الكامل والتضحية أحيانا بأنفسهم من أجل الآخرين، فهم دائما على أهبة الاستعداد للتدخل، ليكونوا خط الدفاع الأول أمام أي تهديد. كما أن حملات التوعية التي تقوم بها الوقاية المدنية تلعب دورا مهما في تربية المجتمع على ثقافة السلامة، حيث يتعلم المواطنون كيفية التصرف في أوقات الخطر، والوقاية من الحرائق، وإسعاف المصابين، واتباع إجراءات السلامة في المنازل والمدارس والشوارع، مما يقلل من الخسائر البشرية والمادية بشكل كبير.
إن الاستثمار في الوقاية المدنية ليس مجرد واجب إداري أو تكاليف تشغيلية، بل هو استثمار في الحياة والأمن الوطني. فالتجهيزات الحديثة، والتقنيات المتقدمة، وتطوير مهارات الفرق، والتنسيق مع مختلف الجهات المعنية، كلها عناصر تجعل من الوقاية المدنية جهازا فعالا وقادرا على التعامل مع أي كارثة مهما كانت ضخامتها. وفي الوقت الذي يقدم فيه هذا الجهاز خدماته الجليلة، يقع على عاتق المواطنين واجب احترام تعليماته والالتزام بإرشاداته، فالتعاون المجتمعي يزيد من فعالية التدخل ويضمن سلامة الجميع، ويعكس وعي المجتمع بمسؤولياته الوطنية.
وفي النهاية، تمثل الوقاية المدنية رمزا للشجاعة والتضحية والانتماء الوطني، فهي الحصن المنيع الذي يحمي المجتمع في أوقات المحن، والوجه المشرق للإنسانية في أوقات الأزمات. ومن واجبنا جميعا تقدير هذا الجهاز، ودعمه بكل الوسائل الممكنة، والمساهمة في نشر ثقافة السلامة بين أفراد المجتمع، لأن الوقاية المدنية ليست مجرد مهنة، بل رسالة إنسانية ووطنية تتطلب التضامن والوعي والاحترام، لتظل دائما خط الدفاع الأول والأكثر فاعلية في حماية الأرواح والممتلكات.
